عمر فروخ
40
تاريخ الأدب العربي
الشيعة والبويهيّين في مقاومة الأشعرية ( أهل السنّة والجماعة الذين يقدّمون نصوص الدين في تفسير العقائد الإيمانية على أحكام العقل ) وفي مقاومة الخلافة العبّاسيّة . ولمّا برز السلاجقة على مسرح التاريخ والسياسة نصروا الأشعرية على خصومهم . ولكنّ الإسماعيليّين ( المتطرّفين من الشيعة الفاطميّة ) الذين فقدوا الآن معاضدة البويهيّين - بعد أن قضى السلاجقة على الحكم البويهيّ - سلكوا سبيل الاغتيال السياسيّ . ولا بدّ هنا أيضا من الإشارة إلى الحركة الصوفية ، هذه الحركة التي يزعم أتباعها أنّها بدأت في صدر الإسلام الأوّل ، ولكنّها - على كلّ حال - بدأت زهدا في العصر الأمويّ ثمّ اتّخذت شكلا خاصّا من المبالغة في التعبّد وفي تعليل مظاهر الحياة الطبيعيّة والإنسانية . ومع الايّام انقسمت هذه الحركة مسلكين : مسلكا معتدلا أراد أصحابه أن يروا كلّ شيء من خلال الحياة الدينية الإسلامية ، ثمّ مسلكا متطرّفا أراد أصحابه أن يفرضوا على الوجود الطبيعيّ والوجود النفسي الإنسانيّ مظهرا من خيالهم يصلون به إلى القول بأنّ اللّه والإنسان مدركان نسبيّان ينتهيان إلى حقيقة واحدة هي أن الانسان هو المظهر الوحيد لمعرفة اللّه ، لأنّ جميع الموجودات الأخرى من الجماد والنبات والحيوان البهيم لا تدرك هذا الموجود المطلق . ثمّ انّ الدين والكفر والإيمان والخير والشرّ والطاعة والمعصية والبحر والجبل والقبح والجمال مظاهر لذلك الوجود العظيم الذي هو الألوهية . ومع أن التصوّف بمسلكيه المعتدل والمتطرّف قد أعطانا أدبا جميلا وأتاح لنفر كثيرين منّا تربية نفسية صحيحة ، في بعض الأحيان ، فانّ موقف المتصوّفين كلّهم من الكفاح في الحياة ، ومن الدفاع عن الوطن والحفاظ على الوحدة السياسية والقومية والدينية أيضا ، كان موضع ريبة ، إذا نحن نظرنا إلى موقفهم ذلك من خلال مقاييسنا الموروثة المألوفة . ولا ريب في أن التصوّف المتطرّف كان أشدّ خطرا . ولكن يجب ألّا نمزج بين المتصوّفة أصحاب « الطرق الشكليّة في العبادة » وبين « المرابطين » الذين كانوا يتستّرون بالمسلك الصوفيّ ، على أطراف بلاد الدولة الإسلامية ، ليقوموا بأعمال الجهاد في سبيل الاسلام والأمّة والوطن ، أولئك الذين كانوا عبّادا في الليل فرسانا في النهار .